سميح عاطف الزين

176

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

والماء ، ويردّ النافر منه إلى القطيع ، حتى لا يكون شروده سببا لهلاكه إن ضاع ، أو افتراسه من وحش عاد . . يضاف إلى ذلك أن اجتماع الرعاة مع بعضهم ، وهم في الغالب من أبناء الفقراء ، وفيهم أيضا العبيد والموالي ، والمشاركة في الأكل والشرب ، وتدبر أمور القطعان . . كل ذلك ينمي روح التعاون ، والشعور مع الفقير في حاجاته ، ومع الضعيف في تطلعاته ، وكلها من المشاعر الإنسانية النبيلة ، التي لو تسنّى لمن يعيشها في صغره ، - أو في أي فترة من حياته - أن يتسلم مقاليد الحكم فيما بعد ، لجعل المساواة والعدالة ، ورعاية المحتاجين ، والنظر إلى شؤون الجماعة ومصالحهم من أهداف حكمه ، والعمل على تحقيقها . . وهذا ما يمتدّ بآثاره على الأمة جمعاء ، فيكون من العوامل التي تبعد الضعف عنها ، ويجعلها تتدبّر حالات المواجهة الصعبة عند القيام بالأعباء العامة ، مما قد يساعدها على النهوض والتقدم . . من هنا كانت حكمة اللّه البالغة التي جعلت النبيين والمرسلين جلّهم رعاة ، أو عشراء لرعاة ، فكان موسى وداود وشعيب عليهم السّلام رعاة ماشية ، وأول الذين حدبوا على السيد المسيح عليه السّلام واجتمعوا حول أمه في المغارة ، وقت مولده ، كانوا رعاة بيت لحم . وعلى غرار تلك الثلة الصالحة قضى تدبير الخالق الحكيم أن يمارس محمد تجربة الرعي وهو ما يزال في بدء فتوته ، وإلى أن يبلغ الثانية عشرة من عمره . ففي تلك السن أراد أن يعمل بالتجارة ، ذلك أن الموسرين من أهل مكة ، ومن قبيلة قريش نفسها ، كانوا يزاولون التجارة متجاوزين بلدهم في رحلتي الشتاء والصيف إلى بلاد اليمن والشام . وقد ساعدهم على ذلك ثلاثة عوامل : الموقع الجغرافي لمكة حيث كانت ممر القوافل